الشيخ محمد مهدي الآصفي

5

ولاية الأمر ، دراسة فقهية مقارنة

المقدّمة لا نبالغ إذ قلنا : إنّ مسألة « ولاية الأمر » ليست هي بالمسألة الجديدة ولا الغريبة على الذهن البشري ، منذ أن لامست قدما أول إنسانٍ على سطح هذا الكوكب وحتّى الآن . فعندما تشكّلت أُولى التجمّعات البشرية ، وشغلت مساحةً من الأرض ، برزت الحاجة إلى مناقشة موضوع من يجب أن يلتزم أمر ولاية الجماعة ، والشروط التي ينبغي أن تتوفّر فيه لكي يمكنه أن يشغل هذا المنصب ، فيقوم بإدارة دفّة الجماعة وهي تشقّ طريقها في الحياة . وعلى الترتيب باتت هذه المسألة « ملفّاً » يشغل حيّزاً كبيراً في ضمير الانسانية جمعاء ، فكما هو موجود وسط أكثر بلاد العالم عزلةً وتفرّداً ووحشيةً ، فهو موجود في أرقاها مدنيّةً ، وأعظمها تقدّماً وتطوّراً . والعالم الإسلامي شأنه كغيره ، اهتمّ بهذا « الملفّ » اهتماماً بالغاً ، خاصةً وهو في طور تأسيس كيان حضاري ذي قانون جديد ، يسعى لأن يقدّم للعالم كلّه نموذجاً حضارياً مثيراً ، يقوم على أساس أخلاقي ربّاني رفيع ، ويسعى إلى نقل العالم الجاهل من فوضويته العارمة ، وظلامه الدامس ، واضطرابه الكبير ، إلى مدنيّة راقية ، وأخلاق رفيعة ، وقيم مشرقة ، تنشر أجنحتها النيّرة في كلّ الآفاق . وقد ازداد اهتمام المتأخّرين بهذه المسألة زيادة بالغة ، وذلك لما يواجهون من ظروف قاسية تحيط بعالمهم الفسيح ، من استعمار ، وغزو ، واحتلال ، وانتزاع بقع